ابن الحسن النباهي الأندلسي

238

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

مسألة ؛ وإذا سكت المطلوب وأبي أن يتكلّم ، أو تكلّم وقال : « لا أخاصمه إليك ! » قال له القاضي : « إمّا أن تخاصم ؛ وإلّا ، أحلفت هذا المدّعي على الذي ادّعى قبلك ، وحكمت له به عليك ! » فإن تكلّم ، نظر في كلامه وفي حجّته ، وإن لم يتكلّم ، أحلف الآخر وقضى له بحقّه إن كان ممّا يستحقّ مع نكول المطلوب عن اليمين . قاله ابن حبيب : وقال محمد بن الموّاز في كتابه : إن لم يرجع فيقرّ أو ينكر ، حكمت عليه للمدّعي بلا يمين . وقال أبو محمد بن أبي زيد : قال ابن سحنون عن أبيه : إن قال الخصم ما أقرّ ولا أنكر ، أو قال : « ما له عندي حقّ » والآخر يدعي دعوى مفسّرة ، ويقول : « أسلفته ، أو بعته ، أو أودعته » فقال : « لا » ، يقبل قول المدّعى عليه : « ما له عندي شيء » حتى يقرّ بالدعوى بعينها أو ينكرها ، فيقول : « ما باعني ، ولا أسلفني ، ولا أودعني » فإن تمادى على الردّ ، سجنه . وقال ابن الموّاز فيمن ادّعى عليه ستين دينارا ، فيقرّ بخمسين ، ويأبى في العشرة أن يقرّ أو ينكر ، أنّه يجبر بالحبس حتى يقرّ أو ينكر ذلك ، إذا طلب ذلك المدّعي . هكذا قال مالك . وأنا أستحسن ، إذا تمادى على شكّه ، وقال : « لا أحلف على ما لا يقين لي فيه ! إني أحلفه أنّه ما وقف عن الإقرار والإنكار إلا أنّه على غير يقين ! » فإذا حلف على هذا أدّى العشرة أو يحسن فيها بالحكم ؛ فلا يمين على المدّعي ؛ لأنّ كلّ مدعى عليه لا يدفع الدعوى ؛ فإنّه يحكم عليه بلا يمين . وقال أشهب مثله . وإذا تشعّبت المقالات المكتثبة من المتشاجرين في الخصومات ، وأشكل حديثها ، طرح جميعها ، ولا حرج في ذلك ؛ فقد نقل عن قاض « 1 » كان في أيّام أبان بن عثمان أنّه رفعت إليه كتب قد تقادم في أمرها والتبس البيان فيها ؛ فأخذها وأحرقها بالنار . فقيل لمالك : « أيحسن ذلك ؟ » قال : « نعم ! إني لأراه حسنا » . قال ابن رشد في بيانه معنى هذه الكتب إنها كتب في خصومات طالت المحاضر فيها والدعاوى ، وطالت الخصومات حتى التبس أمرها على الحكّام . فإذا أحرقت ، قيل لهم : « بيّنوا الآن ما تدعون ، ودعوا ما تلبسون به من طول خصامكم ! » وهو حسن الحكم على ما استحسنه مالك . ومن كتاب أبي القاسم بن الجلّاب : إذا ذكر الحاكم

--> ( 1 ) في الأصل : « قاضي » بالياء .